أحمد بن محمد الحسيني
27
صلة التكملة لوفيات النقلة
العمل ، فوقع في أخطاء قاتلة أتلفت عمله بالكلّية ، وأساء إلى هذا الكتاب من حيث أراد أن يحسن إليه ، فأخرج طبعة سقيمة فاقدة لأبسط قواعد التحقيق العلميّ الرّصين : لغة ، وضبطا ، وقراءة ، ومعرفة بالمخطوط ، ثم جهلا بموضوع الكتاب أوقعه في مزالق خطيرة . ومما يؤسف عليه في هذه الأزمنة أن يمتهن علم تحقيق النصوص فيما رسه كلّ من هبّ ودبّ ، مع أنه اليوم يدرّس في أرقى الجامعات ، وتمنح فيه الشّهادات العليا ، فصارت آلات الطباعة تدور لتخرج تراثا مشوّها بحروف جميلة وألوان جذّابة وتجليد فاخر ، من غير عناية بالمحتوى . ولست هنا بحال أسعى فيه لتذنيب من تصدّى لهذا العمل ونشره ، فالبلية عامة ، والخطب خطير ، وذلك أنّ تراث الأمة من أعظم جوانب إحياء مجدها خطرا وأبقاها على الأيام أثرا ، فهو وجدانها وتجربتها عبر التاريخ ، لا سيّما في هذه الأعصر التي تحتاج فيها الأمة إلى تثبيت هويتها الحضارية العربية الإسلامية ، لانطلاق أبنائها نحو استعادة أمجادهم وتطهير أوطانهم من دنس الغزو الفكريّ الذي تعمل جهات العولمة الخبيثة على طمس معالمه وفرض المثل والأخلاقيات الغربيّة الغريبة عليه ؛ بغية قطع الاتصال بهذا العمق الحضاريّ العظيم ، وإفراغ عقول شبابه من كلّ ما يعتزّون به ويفاخرون ، تمهيدا للهيمنة عليهم وإخضاعهم لأصول حضارة لا ينتمون إليها ، فيصبحون تابعين بعد أن كانوا متبوعين . إنّ العناية بالتراث وتحقيقه وتجليته يتطلب توفّر علماء من ذوي الباع الرّحب في علوم شتى ، فضلا عن عمق وتخصّص في الموضوع الذي يتناولون تحقيقه . ونحن نعلم أنّ الأمة قد أنجبت في حال نهضتها في المائة الماضية محقّقين أجلاء ، عمل كلّ في حقل اختصاصه ، فنشرت النصوص المتقنة في البلاد المصرية والشامية والعراقية والمغربية ، برز فيها الجهد المستند إلى العلم والبصيرة ، وقد تلقّاها الباحثون بالنقد المنصف والتعقيب بما قد تسرّب إلى أعمالهم من هنات أو أخطاء طباعيّة ، فيتقبّلونه بخلق العلماء ، وينوّهون بمن استدرك عليهم ودلّهم على بعض هفواتهم .